إخوان الصفاء

307

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

مطلب في التربية واعلم بأن العادات الجارية بالمداومة فيها ، تقوّي الأخلاق المشاكلة لها ، كما أن النظر في العلوم والمداومة على البحث عنها ، والدرس لها ، والمذاكرة فيها ، يقوّي الحذق بها والرسوخ فيها ؛ وهكذا المداومة على استعمال الصنائع ، والدّؤوب فيها يقوّي الحذق والأستاذيّة فيها ؛ وهكذا جميع الأخلاق والسجايا . والمثال في ذلك أن كثيرا من الصّبيان إذا نشأوا مع الشجعان والفرسان وأصحاب السلاح ، وتربّوا معهم ، تطبّعوا بأخلاقهم ، وصاروا مثلهم ؛ وهكذا أيضا كثير من الصّبيان إذا نشأوا مع النّساء والمخانيث والمعيوبين ، وتربّوا معهم ، تطبّعوا بأخلاقهم ، وصاروا مثلهم ، إن لم يكن في كلّ الخلق ففي بعض . وعلى هذا القياس يجري حكم سائر الأخلاق والسجايا التي يتطبّع عليها الصّبيان منذ الصغر ، إما بأخلاق الآباء والأمهات ، أو الإخوة والأخوات والأتراب والأصدقاء والمعلمين والأستاذين المخالطين لهم في تصاريف أحوالهم . وعلى هذا القياس حكم الآراء والمذاهب والديانات جميعا . فصل واعلم يا أخي بأن من الناس من يكون اعتقاده تابعا لأخلاقه ، ومنهم من تكون أخلاقه تابعة لاعتقاده ، وذلك أن من يكون مطبوعا على طبيعة مرّيخيّة فإنه تميل نفسه إلى الآراء والمذاهب التي يكون فيها التعصّب والجدال والخصومات أكثر ، وهكذا أيضا من يكون مطبوعا على طبيعة مشتريّة ، فإنه تكون نفسه مائلة إلى الآراء والمذاهب التي يكون فيها الزّهد والورع واللين أكثر . وعلى هذا القياس توجد آراء الناس ومذاهبهم تابعة لأخلاقهم ، وأما الذي تكون أخلاقه تابعة لاعتقاده فهو الذي إذا اعتقد رأيا أو ذهب مذهبا وتصوّره وتحقّق به ، صارت أخلاقه وسجاياه